تعريف المقاطعة

مقاطعة دولة الإحتلال
 
تعتبر المقاطعة بأشكالها المختلفة – بما فيها المقاطعة الاقتصادية – إحدى وسائل الدفاع عن النفس بين الدول ضد المعتدين والخصوم، كما تعتبر وسيلة من وسائل الضغط الجماعي التى تستخدمها مجموعة من الدول؛ لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
المُقاطَعَةُ
لغة: مصدر قَاطَعَ
المُقاطَعَةُ : الامتناع عن معاملة الآخرين اقتصاديًّا أَو اجتماعيًّا وَفْقَ نظام جَماعيّ مرسوم
مُقَاطَعَةُ الانْتِخَابَاتِ : عَدَمُ الْمُشَارَكَةِ فِيهَا
مُقَاطَعَةُ الْمُتَكَلِّمِ : التَّكَلُّمُ أَثْنَاءَ كَلاَمِهِ
الْمُقَاطَعَةُ الأُولَى : تَقْسِيمٌ إِدَارِيٌّ فِي الْمَدِينَةِ حَسَبَ أَحْيَائِهَا ، يُشْرِفُ عَلَيْهِ القَائِدُ
اصطلاحاً: المقاطعة هي عملية التوقف الطوعي عن استخدام أو شراء أو التعامل مع خدمة لجهة معينة كتعبير عن الاحتجاج.
أو هي حالة من الرفض للاحتلال وشكل من أشكال مقاومته سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ورفض التعايش والتطبيع معه.
ونستنتج من هذا التعريف أن هدف المقاطعة هو الامتناع عن التعامل نهائيا مع جهة معينة للضغط عليها لتغيير سياستها حول قضية معينة.
تاريخ المقاطعة:
يعود مصطلح المقاطعة Boycott في التاريخ لعام 1880 ميلادي, وهو مشتق من اسم الكابتن الانجليزي تشارلز بويكات Charles Boycott الذي كان يعمل مديرا عقاريا في ايرلندا, وفي ذلك العام غضب المزارعين الأيرلنديون من تشارلز بسبب رفع قيمة إيجارات الأراضي, ورفضوا الايرلنديين هذه الزيادة, فقابلهم تشارلز برد قاسي وهو طردهم من الأراضي التي يعملون بها, عندها غضب الأيرلنديون ووصفوا تشارلز بعبارات قاسية, وساءت الأحوال في ظل مقاطعة الايرلنديين عن العمل في الحقول والمزارع, ورفضوا التعاون معه, وسميت تلك الفترة بـ Land War, وبعد ذلك ظهر شخص بمقترح اسمه تشارلز ستيوارت Charles Stewart يطلب من الأيرلنديون عدم التعامل مع الكابتن تشارلز, وبعد فترة اقر الكابتن تشارلز بالهزيمة, وكانت نتيجة المقاطعة في صالح الأيرلنديون, وأصبحت هذه المقاطعة درس لكل من يستغل الضعفاء. لهذا يقولون إن المقاطعة هي سلاح الضعفاء.
– لكن في تراثنا الاسلامي المقاطعة تعود إلى ما قبل 1400 سنة، ففي السنة السابعة من بعثة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، خضع هو وأصحابه وأقربائه من بني هاشم وبني عبد المطلب وكل من انحاز إليهم أو عاونهم حتى لو كان كفاراً إلى مقاطعة شاملة، إقتصادية وإجتماعية وسياسية وثقافية تمثلت في حصار شعب أبي طالب من قبل كبار كفار قريش. حيث قرر التحالف الآثم ألا يناكحوا المحاصرين ولا يبايعوهم، ولا يشتروا منهم، ولا يجالسوهم ولا يسمعوا لهم، ولا يكلموهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا الرسول. لكن هذه المقاطعة باءت بالفشل. والشاهد: أن أسلوب الحصار أو المقاطعة أسلوب قديم جداً استخدمه المشركون ليضغطوا على المسلمين كي ينزلوا على رغباتهم منذ أربعة عشر قرناً.
– كل الغزوات والسرايا التي كانت قبل غزوة بدر الكبرى، بل حتى غزوة بدر ذاتها، كان المقصد منها اعتراض قوافل قريش التجارية وأخذ أموالها وحصارها اقتصادياً، فسرية حمزة إلى (سِيف البحر)، وسرية سعد بن أبي وقاص إلى (الخرّار)، وغزوة الأبواء (ودّان) وسرية عبيدة بن الحارث إلى (رابغ)، وغزوة (بُواط)، وسرية عبدالله بن جحش إلى (نخلة)، وغزوة (العُشَيرة) التي أفلت فيها أبوسفيان بالقافلة في ذهابه إلى الشام، وهي القافلة ذاتها التي خرج النبي صلى الله عليه وسلم يريدها حين عادت نادباً إليها أصحابه قائلاً: “هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله يُنفّلكموها”، لكنها أفلتت فكانت غزوة بدر الكبرى !
فكل تلك الغزوات والسرايا كان هدفها الأول هو الحصار الاقتصادي واعتراض القوافل وقطع تجارة قريش، إضعافاً للعدو وكسراً لشوكته وهذا هو مفهوم المقاطعة
– قصة ثمامة بن أثال (رضي الله عنه) لمّا أسلم، فقطع تجارة الحنطة عن قريش التي كانت تأتيهم من قِبَله من اليمامة، وأقسم لهم: “ولا والله لايأتيكم من اليمامة حبّةُ حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم “، وخبره هذا في الصحيحين. فكان ثمامة (رضي الله عنه) بذلك أول مقاطِع تجاري للعدو في الإسلام -بمعناه الاصطلاحي-، فإنه استشعر دوره ضد قريش لكفرها وحربها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخدم سلاحه الذي يملك وقاطع تجارتهم، فكان في ذلك إرهاق قريش وتجويعها، حتى أرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم يسألونه بالرحم أن يكتب إلى ثمامة ليُخلي لهم حمل الطعام، فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ورفع الحصار.
– مقاطعة العديد من شعوب العالم لبضائع دولة جنوب أفريقيا العنصرية، تضامنا مع نضالات وتضحيات شعب جنوب أفريقيا بقيادة نلسون مانديلا، واحتجاجا على سياسة الفصل العنصري التي كانت تنتهجها حكومة بريتوريا ضد السكان السود أصحاب البلاد الأصليين، حتى انهار هذا النظام العنصري وحصل شعب جنوب أفريقيا على حريته واستقلاله الناجزين
-المهاتما غاندي ومقاطعة بريطانيا: في عام 1920  قال غاندي جملته الشهيرة، والتي لا يزال صداها يتردد إلى الآن :”احمل مغزلك واتبعني”. وسبب هذه الجملة، أن غاندي لاحظ أن بريطانيا تحتكر شراء القطن الهندي الطبيعي بثمن بخس، لتعيده ملابساً وقطعاً قطنيةً، وتبيعه للهنود بأغلى الأثمان، فقرر الرجل أن يقاطع الملابس القطنية البريطانية، ولما تبعه عشرات الآلاف من الهنود، كانت النتيجة خسارة كبيرة جداً قدرت بالملايين للشركات البريطانية، ودفع غاندي ثمن ذلك عدة أشهر في السجن.
وفي عام 1931، قاد غاندي ثورة أذهلت بريطانيا، فبعد أن كانت بريطانيا تمنع الشعب الهندي من استخراج الملح، بل وتبيعه إياهم بأثمان باهظة جداً، قرر الزعيم الروحي أن يسير إلى البحر لاستخراج الملح بنفسه، فسار هو ومجموعة كبيرة من الشعب الهندي مسافة 300 كم مشياً على الأقدام، قطعوا المسافة في 24 يوماً، وكان يوم الاثنين هو يوم الاستراحة لهم، حتى وصلوا البحر فقاموا باستخراج الملح بأنفسهم، وقد أدت هذه الثورة إلى توقيع “معاهدة دلهي” المذلة لبريطانيا.
بلغت الأمور ذروتها عندما قرر غاندي مقاطعة كل ما هو بريطاني، وتبعه عشرات بل مئات الملايين من الهنود، فوجدت بريطانيا نفسها تواجه خسائر مادية فادحة في تلك البلاد، وكانت الخسائر الاقتصادية التي تمنى بها بريطانيا في الهند واحدة من الأسباب التي أدت إلى انسحابها لاحقاً من الهند عام 1947.
– السود الأمريكيين وقطاع المواصلات: لم يكن يسمح للأمريكيين من ذوي الأصل الأفريقي، أن يركبوا في الحافلات كغيرهم من الأمريكيين، وإنما كان يجب عليهم الوقوف طوال فترة الرحلة، أو الجلوس في مؤخرة الباص إمعاناً في إذلالهم.  رغم المحاولات المستميتة من الأمريكيين الأفارقة لتغيير هذا النظام إلا أنه ظل قائماً حتى واتتهم فكرة المقاطعة. قرر الأفارقة الأمريكيين في الولايات المتحدة عدم استخدام الحافلات والسير على أقدامهم أو استخدام الدراجات الهوائية أو أي وسيلة مواصلات أخرى، وكانت النتيجة خسائر فادحة في قطاع المواصلات ولشركات الحافلات التي اكتشفت أن أساس عملها معتمد في الأصل على الأفارقة الأمريكيين. وكانت النتيجة النهائية معروفة، إذ تم إلغاء النظام الجائر، وكان هذا الحق من أوائل الحقوق التي حصل عليها الأفارقة الأمريكيون في الولايات المتحدة آنذاك.
– شعب اليابان رغم هزيمته في الحرب العالمية الثانية التي أَلحقت به دمارا شاملا رفض شراء السلع والبضائع الأمريكية، وأعلن رفضه القاطع للاحتلال والسيطرة الأمريكية على مقدرات اليابان الاقتصادية والعلمية، وشجع الصناعة الوطنية والإنتاج الزراعي والخدماتي، إلى أن استطاع هذا الشعب التقدم بخطوات ثابتة في جميع المجالات وفرض سيطرته الاقتصادية حتى على السوق الأمريكية نفسها، واستطاع الاقتصاد الياباني أن يسجل لصالحه فائضا كبيرا في الميزان التجاري وصل إلى حد وقوع نزاعات تجارية عديدة بين البلدين.
– الشعب الأرجنتيني ومقاطعة البيض: حينما فكرت شركات إنتاج البيض في رفع أسعاره، قاطع الشعب الأرجنتيني شراء البيض. واستمرت مقاطعة شراء البيض لمدة أسبوعين وخسرت شركات انتاج البيض مبالغ كبيرة مما اضطرها لإعادة الأسعار كما كانت لكن المقاطعة استمرت، حتى اجتمع التجار مرة أخرى وقرروا: تقديم إعتذار رسمي للشعب الأرجنتيني عن طريق جميع وسائل الإعلام، تخفيض سعر البيض عن سعره السابق إلى ربع القيمة السابقة.
  – المقاطعة في فلسطين والعالم العربي: كان اليهود المستوطنون في فلسطين أول من زرع فكرة المقاطعة منذ بداية الهجرة غير الشرعية في زمن الانتداب البريطاني، فراحوا يمتنعون عن شراء البضائع والحاجيات من المتاجر العربية عندما يكون لديهم مثيلاتها ويمتنعون قدر المستطاع عن الاستعانة باليد العاملة العربية.
 وعندما وعى العرب فداحة الخطر الصهيوني وتزايد سيطرتهم وتفاقم هجرتهم، رأوا في المقاطعة سلاحاً مساعداً لإضعاف النمو اليهودي في فلسطين، انعقد في عام 1920 في نابلس مؤتمراً للجمعية الإسلامية المسيحية، اتخذ فيه تجار فلسطين قراراً بمقاطعة البضائع اليهودية، بل وحتى اليهود بشكل عام.
 امتدت آثار تلك المقاطعة لتشمل مندوبون من سوريا ولبنان وشرق الأردن، وكان ذلك عام 1929 في القدس، وفي هذا المؤتمر منع بيع الأراضي للتجار اليهود.
ثم توج هذا العمل بلجنة المقاطعة عام36 والتي منعت إدخال أي بضائع لفلسطين إلا عن طريق اللجان المخولة بذلك خوفاً من تلقي اليهود لهذه البضائع، وكانت هذه اللجنة بمثابة ضربة قاصمة للعصابات اليهودية الموجودة في فلسطين آنذاك.
وامتد الأمر ليشمل بعداً رسمياً، خصوصا عام 45 ومن ثم عام 54 ، حيث أجمعت الدول العربية على مقاطعة الكيان الصهيوني ومنتجاته وبضائعه، وقد كلف ذلك الأمر الدولة الفتية مبالغ طائلة كانت تطالها من الخزينة الأمريكية.
لكن المقاطعة تراجعت كثيراً بعد محادثات السلام المزعومة، والتي سمحت للدولة الصهيونية بتوزيع منتجاتها وبضائعها حول العالم العربي الذي أصبح مستهلكاً شرساً لتلك البضائع ثم تلققت ضربة قاصمة بتوقيع إتفاق أوسلو. وللدلالة على القول، سنقتبس هنا من كتاب (فلسطين/إسرائيل: سلام أم فصل عنصري، لمروان بشارة)، والذي يقول فيه: (فكانت سنوات “سلام أوسلو” بمثابة بقرات سمان للإسرائيليين وبقرات عجاف للفلسطينيين، حيث استفادت إسرائيل من الدعم الدولي واستثمارات السلام ورفع المقاطعة العربية من الدرجتين الثانية والثالثة. هكذا تحصلت الدولة العبرية على عائدات السلام الاقتصادية دون أن يتحقق السلام. في الوقت الذي تدهورت فيه أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية وتعمقت تبعيتهم للقوة المحتلة (88% من الصادرات الفلسطينية تذهب إلى إسرائيل)، وفي الوقت الذي تعد فيه الأراضي الفلسطينية المحتلة الوجهة الثانية للصادرات الإسرائيلية –بقيمة 5.2 مليارات دولار-في العالم بعد السوق الأميركية)
مبررات المقاطعة:
* دينياً: من منطلق عدة آيات:
– قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ” أوجب على المؤمنين مجاهدة الكفار والمنافقين، إما وجوباً عينياً أو كفائياً، بإلحاق الضرر بهم عن طريق المقاطعة.
– قوله تعالى: “ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ” و المقاطعة نَيْلٌ من الكفار وإغاظة لهم، وما كان كذلك فهو محبوب إلى الله.
* أخلاقياً: من غير المنطقي وليس مبرراً أن يكون لنا إخوة يدفعون حياتهم ودمائهم فداءاً لهذه الأرض وللمسجد الأقصى في حين تتم خيانة هذه التضحيات إما بشراء المنتجات ودفع ثمن الرصاص الذي يقتلون به أو بالاعتراف الغير ضمني بشرعية قتلتهم ومستبيحي دماءهم من خلال التعامل والتعلون مهم. ومن هنا جاء الواجب الأخلاقي للمقاطعة.
* وطنياً: من سرق الوطن وجبت مقاطعته وتشويه صورته وإلحاق الضرر به حتى يعيد الحق لأصحابه.
* سياسياً وتاريخياً: كما أثبتت تجارب الشعوب فإن المقاطعة وسيلة سلمية آمنة لا يمكن لأي شخص وصفها بالإرهاب وتحقق مكاسب عظيم وأهداف كثيرة.
أشكال المقاطعة:
بحسب القس ديزموند توتو (من كبار مناهضي نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا وحائز على جائزة نوبل للسلام) فإن ما أنجزته الحملة الدولية لمقاطعة الاحتلال خلال خمس سنوات من استثمارات إسرائيل عجزوا هم عن تحقيقه خلال خمسين عاما من المقاطعة ضد نظام التفرقة العنصرية “الأبارتهايد” في جنوب أفريقيا.
– المقاطعة الاقتصاديّة:  تبلغ واردات إسرائيل إلى أراضي السلطة الفلسطينية أكثر من 3 مليار دولار سنوياً إذ تعتبر السوق الفلسطينية ثاني سوق للمنتجات الصهيونية بعد أمريكا مما يعني ان مقاطعة منتجاته من المفترض ان تؤدي لنتائج كارثية على الجانب الاسرائيلي اذا تم الالتزام بالمقاطعة..المقاطعة الإقتصادية سلاح رادع على كافة المستويات السياسية والاقتصادية، فمن خلال عملية حسابية بسيطة- أن الشعب العربي البالغ 300 مليون نسمة إذا قاطع منه 100 مليون فقط منتجًا صهيونيًّا أو أمريكيًّا أو بريطانيًّا قيمته دولار واحد فالخسائر التي ستلحق بالشركات تلك 100 مليون دولار يوميًّا ، وهذا في منتج واحد فقط، أما إذا فعَّلنا المقاطعة لتشمل منتجات عديدة فسوف يُرغم الحكومات والأنظمة الغربية على اتخاذ مواقف غير التي تنتهجها الآن. يعد الاقتصاد الاسرائيلي من أقوى الاقتصادات في المنطقة، حيث وصل ناتجه المحلي الاجمالي حتى منتصف 2015 الى حوالي 284 مليار دولار، حسب الاسعار الجارية. كما تمتع الاقتصاد الاسرائيلي بنمو مضطرد على مدى السنوات القليلة الماضية، تراوحت نسبته ما بين 5.5% و 7.5% بين العامين 2007-2012، مع الاشارة الى تأثره القليل بالازمة الاقتصادية العالمية عام 2008، وجزء من هذه الاسباب يعود للمساعدات والتسهيلات الاقتصادية السخية الممنوحة من الولايات المتحدة واوروبا لاسرائيل. لكن بفضل حملة المقاطعة كان من المتوقع أن يحقق الاقتصاد المحلي نسبة نمو أعلى من 1.5% بالربع الثاني من العام 2015، لكنها استقرت فعليا عند 0.3%. وكان الاقتصاد الإسرائيلي قد سجل نسب نمو بلغت 2% في الربع الأول من العام 2015، و3.3% في الفترة نفسها من العام الماضي، وفق مكتب الإحصاء المركزي.
الأبحاث الاقتصادية تشير الى غياب واضح لأرقام حقيقية حول حجم خسائر الاقتصاد الاسرائيلي جراء المقاطعة منذ بدايتها حتى الان. البعض يتحدث عن خسائر تصل الى المليارات، فخسائر قطاع الزراعة وحده قدرت بنحو 30 مليون شيكل، يعود معظمها لمقاطعة المستوطنات.
 ومن البيانات الاقتصادية ما اشار الى انه بتاريخ 2-2014 انسحبت شركات عملاقة من عطاء بناء موانئ اسرائيلية خوفا من تنامي المقاطعة، وفي 2-2014 ايضا قررت الحكومة الالمانية استثناء الشركات والمؤسسات الاسرائيلية العاملة في الاراضي المحتلة عام 1967 من اتفاقيات التعاون العلمي مع اسرائيل. كما قرر بنك دانسكه، اكبر بنك في الدنمارك مقاطعة بنك هابوعاليم الاسرائيلي لتورطه في الاحتلال… وهناك الكثير من امثال هذه الخسائر. مما قاد اسرائيل لمنافسة كوريا الشمالية على موقع ثالث أسوأ دولة في العالم من حيث الشعبية.
 وكانت وزارة المالية الاسرائيلية قد أصدرت تقريرا نص على “أن المقاطعة هي أكبر خطر على الاقتصاد الاسرائيلي”.
– المقاطعة السياسية: هي الحملات التي تسعى إلى قطع العلاقات مع دولة إسرائيل. ويدير هذه الحملات الرافضون لشرعية إسرائيل واحتلالها للأراضي الفلسطينية وسياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين على مدار الصراع العربي الإسرائيلي. فمثلاً في يونيو 2010 قررت نقابة عمال الموانئ النرويجية، مقاطعة السفن الإسرائيلية التي ترسو في موانئ النرويج احتجاجا على الممارسات الإسرائيلية بحق أسطول الحرية.
أدى ذلك بإسرائيل لسن قانون يجرّم المس بدولة إسرائيل بواسطة المقاطعة، صودق على القانون في دورة الكنيست ال18، في 11 تموز 2011 ويعرف القانون في الخطاب العام الإسرائيلي باسمه المختصر ” قانون المقاطعة”. بحسب القانون يمنع حملة الهوية الصهيونية أو المنظمات العاملة في إسرائيل من العمل لأجل فرض المقاطعة على المؤسسات الإسرائيلية أو المستوطنات الإسرائيلية أو الجهات المختلفة التي تقيم علاقت معها. كما أدى بعد ذلك بالحكومة الاسرائيلية إلى إنشاء وزارة لمواجهة حملات المقاطعة العالمية ضد المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية.
 – المقاطعة الثقافيّة والأكاديميّة والطبية: تهدف إلى عزل “إسرائيل” معنويًّا، وكشفِ ضلوع مؤسّساتها الأكاديميّة والثقافيّة في تبرير القمع ودعم الحرب والعنصريّة. لأنّ المؤسّسات الأكاديميّة والقانونيّة والطبيّة الإسرائيليّة ضالعةٌ في قمع الشعبِ الفلسطينيّ:
أ) عبر بناءِ روايةٍ كاذبةٍ عن “الديمقراطيّة الإسرائيليّة”.
ب) عبر محاصرةِ أو منعِ الروايات التاريخيّة الحقيقيّة للنكبة الفلسطينيّة.
ج) عبر تقديم مبرّرات “وجوديّة” و”أخلاقيّة” من أجل قمع الشعب الفلسطينيّ.
د) عبر الإسهام المباشر في دعم آلة الحرب الإسرائيليّة. فمعهد تخنيون Technion التقنيّ، مثلًا، طوّر أنظمةً قتاليّةً و”دفاعيةً” و”رقابيّةً” استُخدمتْ ضدّ الفلسطينيين؛ ناهيك بأنّه يضمُّ أكبرَ نسبةٍ من الطلّاب العاملين في احتياطيّ الجيش الإسرائيليّ، بل إنّ بعضَ أعضاء مجلس إدارته يعملون في الجيش وجهازَي المخابرات والأمن. كما أنّ جامعة تل أبيب صَمّمتْ عشراتِ الأسلحة لفرض الاحتلال والفصل العنصريّ؛ وهي تضمّ “معهدَ دراسات الأمن القوميّ،” صاحبَ نظريّة “القوة غير المتوازنة” المعتمدة من قِبل الجيش الإسرائيليّ، والداعيةِ إلى “تدمير البنية التحتيّة [المدنيّة] وإنزالِ أشدِّ أنواعِ المعاناة بحقّ الشعب [المدنيّ]” وسيلةً لهزيمة المقاومة الفلسطينيّة. أمّا الجامعة العبريّة (المبنيّةُ على أراضٍ محتلّة) فتحتوي على قاعدة عسكريّة. هذا وكانت جامعةُ حيفا الإسرائيليّة قد أعلنتْ، في بيانٍ رسميّ، تأييدَها لـ”جيش الدفاع الإسرائيليّ” في عمليّة “الرصاص المصبوب” ضدّ قطاع غزّة (2008-2009).
ه) عبر الإسهام المباشر في المشاريع العنصريّة. فجدارُ الفصل العنصريّ، مثلًا، كان “من بناتِ أفكارِ علماء الجغرافيا في جامعة حيفا (البروفسور آرنون سوفر)، وخطّط له مهندسون معماريّون بارزون في الجامعات الإسرائيليّة، ونفّذه مهندسون معماريّون من معهدِ تخنيون” .
و) عبر تزويد المحاكم العسكريّة بمتخرّجي القانون من الجامعات الإسرائيليّة المختلفة.
أمّا المؤسّسات الطبّيّة الإسرائيليّة فهي نفسُها ضالعةٌ في الإجرام عبر إشراف أطبّاء إسرائيليين على تعذيب الفلسطينيين. وذلك هو ما جزم به الدكتور يوران بلاشار، الرئيسُ السابقُ للجمعيّة الطبّيّة الإسرائيليّة، والدكتور إيران دوليف، رئيسُ قسم “الأخلاقيّات” فيها.
– المقاطعة النقابية: لا تقل أهمية عن المقاطعة السياسية والإقتصادية كون النقابات هي أجسام تضم الفئات الفاعلة في المجتمع. فمثلاً أعلن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين مقاطعته لإسرائيل كما أعلنت نقابة عمال الكهرباء والإذاعة الأمريكية مقاطعتها. كذلك أعلنت نقابة أساتذة الجامعات في بريطانيا واتّحادُ نقابات العمّال في جنوب أفريقيا واتّحاد الصحافيين البريطانيين ونقابات عدّة مهمة في كندا، وأخرى في إيرلندا واسكتلندا وغيرها انضمامهم إلى حملة مقاطعة اسرائيل. وأيد كل من مجلس الكنائس العالمي، ومجلس كنائس جنوب أفريقيا، وكنيسة إنكلترا، وغيرها المقاطعة الصهيونية.
-المقاطعة الرياضية: نقصد بها تجاهل الرياضيين الإسرائيليين وتجريدهم من إمتيازاتهم الرياضية. فبسبب المقاطعة لإسرائيل أستثني الرياضيين الاسرائيليين وحتى الفرق الإسرائيلية من المنافسات في العديد من المنافسات الدولية. كذلك فإن بعض الرياضيين العرب والمسلمين يرفضون دخول أي مباريات تجمعهم بلاعبين إسرائيليين. وحتى بعض الدول تمنع لاعبيها من مواجهة لاعبين إسرائيليين.
– المقاطعة الفنيّة: تقوّض من صورة العدوّ “الحضاريّة”، وتسهم في منع “تطبيع” جرائمه بذريعة انفصال الفنّ عن السياسة. لأنّ قيام الفرق الفنيّة العالميّة بتقديم عروضها داخل كيان العدوّ يُسهم في التغطية على جرائمه، فيستغلّ ذلك “ليطبّعَ” تلك الجرائمَ في العقول، ولسانُ حاله يقول: “اعزفوا ما شئتم وسأواصلُ القتلَ والتهجيرَ والتمييز العنصريّ!” وهذا ما سيشجّع فنّانين آخرين على تقديم العروض هناك. وقد وَعَت “الحملةُ الفلسطينيّةُ للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل” ذلك، حين اعتبرت المشاركةَ الفنيّةَ أو الثقافيّة العالميّة داخل الكيان الغاصب عملًا متواطئًا مع الاحتلال والأبارتهايد بذريعة أنّ “الفنّ هو من أجل الفنّ” ولا علاقة له “بالسياسة.”.
– الأشكال الأخرى من المقاطعة (رياضيّة، كنسيّة،…) تهدف إلى الاحتجاج على الجرائم والعنصريّة الإسرائيليّة، وتَحُول دون نشاطاتٍ أخرى تخدم دولةَ العدوّ.
هل المقاطعة بديلٌ من المقاومة المسلحة؟
أبدًا. الشعوب، إجمالًا، لا تنتصر على جلّادها بأسلوبٍ واحدٍ من المقاومة، بل بتضافر أشكالٍ متعدّدةٍ منها. والمقاومة المسلّحة، تحديدًا، هي في العادة من صنع قلّةٍ متفانية، ومقدامةٍ، وشابّةٍ في الأغلب. أمّا المقاطعة فأوسعُ جمهورًا، وتتيح لفئات الشعب كافّةً المشاركةَ في العمل المقاوم، لأنّها قد تشمل الأطفالَ والمسنّين والعمّالَ والمزارعين والأطبّاءَ والمهندسين والأغنياءَ والفقراءَ والمتعلّمين والأمّيّين، ذكورًا وإناثًا. كما أنّ المقاطعة يمكن أن تفْعل فعلها بصرف النظر عن توافر أجواء الحريّة السياسيّة في البلاد أو غيابها: فلا أحد يستطيع أن يجبرَنا، مثلًا، على استهلاك منتجاتٍ إسرائيليّةٍ أو داعمةٍ للكيان الصهيونيّ، ولا على شراء أسطوانات فنّانين مروّجين للصهيونيّة، أو على حضور حفلات فرقٍ أحيت عروضًا هناك غاضّةً النظرَ عن الاحتلال. لا أحد يجبرنا على ذلك حتى في عزّ الاستبداد داخل بلداننا، أو في ظلّ معاهدات “صلح” رسميّةٍ مع العدوّ.
ثم إنّ المقاطعة ليست شكلًا رئيسًا من أشكال النضال الفلسطينيّ والعربيّ وحسب، بل هي كذلك أكثرُ أشكال التضامن الدوليّ مع حقوقنا فاعليّةً وتأثيرًا، وذلك نظرًا إلى العامليْن الآتييْن:
 1) اعتماد الكيان الغاصب على الدعم الغربيّ (الاقتصاديّ والسياسيّ والديبلوماسيّ والأكاديميّ والثقافيّ) من أجل إدامة نظامه العنصريّ والاستعماريّ، بملحظ أنّ هذا الكيان يحظى بأكبر قدْرٍ من المساعدات من بين كلّ دول العالم قاطبةً.
 2) اعتماد هذا الكيان على صادراته (بلغتْ في العام 2010 أكثرَ من 55 بليون دولار، نصفُها تقريبًا إلى الولايات المتّحدة، وأهمُّها في مجال الألماس والسلاح والرقائق الإلكترونيّة والكيماويّات والمعدّات الطبّيّة والطعام). وبذلك، فإنّ”نداء المقاطعة” الذي أطلقه المجتمعُ المدنيُّ الفلسطينيّ سنة 2005 يتخطّى حدودَ أقطارنا العربيّة ليصل إلى شعوب العالم من أجل فرض عزلةٍ شاملةٍ على “إسرائيل” شبيهةٍ بتلك التي أسهمتْ في تقويض نظام الفصل العنصريّ (الأبارتهايد) في جنوب أفريقيا في نهايات القرن الماضي.
تعريف التطبيع:
التطبيع هو المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مصمم خصيصا للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفرادا كانوا أم مؤسسات) ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني. وأهم أشكال التطبيع هي تلك النشاطات التي تهدف إلى التعاون العلمي أو الفني أو المهني أو النسوي أو الشبابي، أو إلى إزالة الحواجز النفسية. ويستثنى من ذلك المنتديات والمحافل الدولية التي تعقد خارج الوطن العربي، كالمؤتمرات أو المهرجانات أو المعارض التي يشترك فيها إسرائيليون إلى جانب مشاركين دوليين، ولا تهدف إلى جمع الفلسطينيين أو العرب بالإسرائيليين، بالإضافة إلى المناظرات العامة. كما تستثنى من ذلك حالات الطوارئ القصوى المتعلقة بالحفاظ على الحياة البشرية، كانتشار وباء أو حدوث كارثة طبيعية أو بيئية تستوجب التعاون الفلسطيني-الإسرائيلي.
تتضمن فكرة التطبيع: مشاركة عرب أو فلسطينيين، مؤسسات أو أفراد، في أي مشروع أو نشاط يقام داخل إسرائيل أو في الخارج مدعوم من أو بالشراكة مع مؤسسة إسرائيلية لا تقر علنا بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو تتلقى دعماً أو تمويلاً (جزئيا أو كلياً) من الحكومة الإسرائيلية، كمهرجانات السينما ومعارض تقنية المعلومات وغيرها. كما تتضمن إقامة أي نشاط أو مشروع يهدف لتحقيق “السلام بين الطرفين” من دون الاتفاق على الحقوق الفلسطينية المسلوبة.
ما هي حملة بي دي إس  BDS؟
– التاريخ والنشأة:
تأسست حركة بي دي إس عام 2005، وهي اختصار للكلمات الثلاثة: المقاطعة (Boycott) وسحب الاستثمارات (Divestment) وفرض العقوبات (Sanctions)، أو ما يتم الإشارة إليه في أغلب الأحيان بـ(BDS). مستلهمةً أهدافها واستراتيجياتها من حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأميركية بقيادة مارتن لوثر كينغ، وحركة النضال ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا بقيادة نيلسون مانديلا. وقد وقّع أكثر من مائة وسبعين منظمة فلسطينية غير حكومية، وأحزاب سياسية، ونقابات مهنية، وهيئات واتحادات، وحملات شعبية على عريضة نداء حركة المقاطعة.
وكما يظهر على الموقع الإلكتروني للحركة، فإنّ نداء المقاطعة يطالب إسرائيل بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والانصياع للقانون الدولي عن طريق:
  • أولًا: إنهاء احتلالها واستعمارها لكل الأراضي العربية وتفكيك الجدار.
  • ثانيًا: الاعتراف بالحق الأساسي بالمساواة الكاملة لمواطنيها العرب الفلسطينيين.
  • ثالثًا: تطبيق حق العودة بناءً على قرار الأمم المتحدة رقم 194.
أي إنَّ أهداف الحركة الثلاثة ترتكز على مطالب ومظلومية جميع الفلسطينيين، وليس فقط فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يشكِّلون فقط 38% من مجموع الفلسطينيين في العالم، حسب الحركة. فالحركة تريد أيضًا أن تعالج مطالب فلسطينيي الشتات (يشكِّلون تقريبًا 50% من الفلسطينيين)، والفلسطينيين المقيمين في إسرائيل منذ عام 1948 (يشكِّلون 12% من مجموع الفلسطينيين) والذين يتعرضون لتمييز عنصري متنامٍ من قِبل المجتمع الإسرائيلي.
تركيز الحركة على المظالم الواقعة على جميع الفلسطينيين جعلها عُرْضة لانتقادات متزايدة لضبابية مواقفها السياسية، وأنها لا تطرح برنامجًا متماسكًا للحل السياسي، خاصة أن بعض مؤيدي الحركة والفاعلين فيها يتبنُّون فكرة حل الدولة الواحدة عوضًا عن حل الدولتين.
– الفاعلون واستراتيجيتهم:
ينشط في الحركة مجموعة كبيرة من الفاعلين الذين يتجاوزون الحدود المحلية إلى المستوى الدولي. وعلى الرغم من أن مرجعية الحركة وقيادتها تُعتبر فلسطينية كما يوضِّح عمر البرغوثي، أحد مؤسِّسي الحركة، إلا أنها تعتمد -وبشكل كبير- على الجهود التطوعية لأفراد ومؤسسات مؤيدين لحقوق الفلسطينيين على مستوى العالم، إضافة إلى المبادرات الفردية والجماعية المنظمة؛ حيث تنسق الحركة مع حلفائها حول العالم. كما ينتمي للحركة عدد قليل من الإسرائيليين المناصرين لها والمعادين للصهيونية والمتبنِّين لأهداف الحركة المنادية بالمقاطعة الكاملة، وهو ما أسهم في نزع الفكرة الإسرائيلية التي تروِّج في الغرب على أن الحملة معادية للسامية.
ويمكن تقسيم استراتيجية الحركة والمساندين لها إلى قسمين رئيسيين: قسمٍ يعمل خارجيًّا، وقسمٍ يعمل داخليًّا.
أولًا، العمل خارجيًّا: تعتمد استراتيجية بي دي إس على التغيير التدريجي الذي تسعى من خلاله كخطوة أولى إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها في كافة المجالات (الاقتصادية والأكاديمية والثقافية والرياضية والعسكرية)؛ وذلك للوصول إلى الخطوة النهائية المتمثّلة في عزل إسرائيل وفرض حصار دولي عليها بأشكال متعددة.
تدرك بي دي إس تعقيد التحالفات الدولية الداعمة لإسرائيل واختلاف السياقات الدولية؛ لذلك تتبنَّى الحركة مبدأ “حساسية السياق”، بمعنى أن نشطاء الحركة وحلفاءهم يقومون برسم أهدافهم واستراتيجياتهم التي تراعي ظروفهم المحلية وسياقات التفاعل معهم. لذلك، يتم وضع حملات الحركة المختلفة بصورة غير مركزية. فبعض النشطاء يمكن أن يقرروا مقاطعة جميع الجامعات الإسرائيلية، بينما يرى البعض الآخر مقاطعة الشركات المتورطة في الاستثمار بشكل غير قانوني في مستوطنات الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1967 . لهذا السبب بالتحديد، يستهدف غالبية نشطاء الحركة في أوروبا -على سبيل المثال- الاستثمارات في المستوطنات الإسرائيلية، والتي لا تشكِّل انتهاكًا للقانون الدولي فقط، بل أيضًا يمكن أن تشكِّل انتهاكًا لبعض القوانين والإجراءات الأوروبية التي تحظر الاستثمار في المستوطنات.
ولإجبار الشركات على سحب استثماراتها من إسرائيل، يقوم ناشطو الحركة بحملات منظمة ومستدامة تستهدف مهاجمة الشركات التي تستثمر في إسرائيل (وخاصة في مستوطنات الضفة الغربية) من خلال التهديد بمقاطعة منتجاتهم أو التحريض عليها، أي إن الحركة تسعى إلى تعبئة المستهلكين للامتناع عن شراء منتجات الشركات أو خدماتها، وبالتالي تقليل الإيرادات وفرض تكاليف إضافية في السوق عن طريق إحداث ردود فعل سلبية بين جمهور المستهلكين وتدمير سمعة هذه الشركات بين زبائنها؛ بهدف زيادة الضغوط على هذه الشركات من خلال التركيز على صورتها وسمعتها.
ثانيًا، العمل داخليًّا: تقوم استراتيجية الحركة داخل الأراضي المحتلة عام 1967 على السعي لمقاطعة المنتجات والمؤسسات الإسرائيلية ونشر التوعية بين الفلسطينيين حول أهمية المقاطعة. وتعتبر “اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل” و”اللجنة التنسيقية للمقاطعة الشعبية” والتي تشكَّلت حديثًا إحدى أهم الأدوات التي يتم استخدامها للتعبئة الشعبية. كما تسعى الحركة إلى تشجيع المنتج الوطني وتوفير البديل للمنتج الإسرائيلي من حيث الجودة والسعر.
وبالرغم من النجاحات المتتالية التي تحققها حركة “بي دي إس” على الصعيد الدولي، إلا أن تأثيرها لا يزال ضعيفًا على المستوى المحلي؛ حيث تعتبر السوق الفلسطينية في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية من حيث تسويق المنتجات الإسرائيلية. يرجع ذلك بشكل كبير إلى ضعف التنسيق ما بين الحركة والسلطة الفلسطينية؛ فالأخيرة لا تزال تعوِّل على إحياء عملية السلام والمفاوضات الثنائية مع الجانب الإسرائيلي؛ حيث تتخوّف من ردّة فعله في حال أقدمت على تبنِّي المقاطعة الشاملة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن السلطة الفلسطينية محكومة باتفاقية باريس الاقتصادية التي تُضعف سيطرة السلطة على السوق الفلسطينية الداخلية أو تحكمها في المعابر الخارجية، وهو ما يُسهِم أكثر في إضعاف المناعة الفلسطينية الداخلية أمام المقاطعة. كما أن المقاطعة في قطاع غزة تعتبر صعبة للغاية، لاسيما بعد هدم الأنفاق الواصلة ما بين مصر وقطاع غزة، وإحكام إسرائيل لحصارها الاقتصادي وتدمير العديد من المصانع في الحرب الأخيرة على القطاع.
– تراكم الإنجازات:
بالرغم من أن الحركة قد تأسست قبل عشر سنوات إلا أن إنجازاتها الفعليّة والقلق الإسرائيلي المتزايد بدآ يظهران خلال السنوات الثلاث الماضية. ومع أن أي معطيات دقيقة حاليًا عن حجم تأثير المقاطعة على إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، غير متوفرة إلا أن ردَّات الفعل الإسرائيلية العنيفة على نشاطات الحركة وبعض المؤشرات الاقتصادية تدلِّل على أن نشاطات الحركة بدأت تشكِّل مصدر إزعاج للقيادة الإسرائيلية.
فعلى صعيد المقاطعة الأكاديمية والثقافية، بدأت الحركة مؤخرًا حملة كبيرة في العالم تدعو إلى المقاطعة الأكاديمية للمؤسسات الإسرائيلية، وهو ما أدى إلى اضطراب القيادة الإسرائيلية التي تخشى ليس من فقدان تأثيرها داخل الجامعات فقط، بل أيضًا من خسارة “جيل المستقبل”؛ أي الجيل الذي يمكن أن يتبوأ مناصب قيادية عليا في بلادهم، وبالتالي التأثير في القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية. فنتيجة المجهودات المتتالية من قبل ناشطي الحركة انضمَّ -على سبيل المثال لا الحصر- اتحاد الطلبة في بريطانيا والذي يضم حوالي سبعة ملايين عضو للمقاطعة، وكذلك اتحاد الطلبة في مقاطعة أونتاريو الكندية المهمة والذي يضم حوالي ثلاثمائة ألف عضو. إضافة إلى مقاطعة بعض الجامعات للمؤسسات التعليمية الإسرائيلية، مثل جامعة “دي بول” الأميركية وجامعة “نورث ويسترن”.
وفي خطوة تظهر الزخم الذي وصلت إليه الحركة، وتنبئ بمزيد من التراكمات انضمَّ بعض المشاهير للحملة أمثال المغني العالمي روجر ووترز والكاتبة الكندية اليهودية ناعومي كلاين؛ مما أسهم في مزيدٍ من الاهتمام من قِبل وسائل الإعلام العالمية، وأبقى التغطية الإعلامية للحركة ونشاطاتها مستمرة. كما نجحت الحركة في إجبار بعض المغنِّين على الالتزام بالمقاطعة الثقافية لإسرائيل، وعدم إقامة أيٍّ من نشاطاتهم الفنية في إسرائيل، كما حصل -على سبيل المثال- مع المغني النرويجي مودي أو المغنية الأميركية لورين هيل عندما ألغيا حفلاتهما في تل أبيب.
أما على صعيد المقاطعة الاقتصادية، وهي أكثر ما يُقلِق إسرائيل، يبدو أن “بي دي إس” أخذت في الاتساع والتراكم؛ فقد بدأت القيادة الإسرائيلية تتخوَّف من أن تؤدي تراكمات الحركة النضالية في المستقبل إلى اضطراب الاقتصاد الإسرائيلي، وبالتالي خلخلة وتراجع الاستثمارات الأجنبية وتوسعها؛ حيث تعتبر هذه الاستثمارات أحد أهم مصادر القوة لنمو اقتصاد الدولة العبرية.
كما أدت استراتيجية الحركة ونشاطها الفاعل في الساحة الأوروبية -على سبيل المثال- إلى خلخلة نسبية واضطراب في بعض الشركات الإسرائيلية أو المستثمرة فيها؛ مما قلَّل من أرباحها وبالتالي قدرتها على الحفاظ على قيم سوقية عالية. ومع أننا لا نتوفر على أي أرقام حقيقية عن الخسائر التي تكبّدها الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة حملة المقاطعة، فإنه -وبحسب المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء- قد خسر الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة حملة المقاطعة الأوروبية للمنتجات الزراعية من المستوطنات الإسرائيلية ما يُقدّر بـ 6 مليارات دولار في 2013 و2014، ومن المرشّح أن تصل الخسائر نتيجة المقاطعة إلى 9,5 مليارات دولار مع نهاية هذا العام.
إضافة إلى ذلك، فقد أعلنت في الفترة الماضية، أعدادٌ متزايدة من الشركات الكبرى أو البنوك عن سحب استثماراتها، سواء من إسرائيل أو شركات داعمة لها. فعلى سبيل المثال، أعلن صندوق بيل غيتس سحب استثمارات بقيمة 182 مليون دولار من شركة G4S الأمنية التي تعدّ أكبر شركة أمنية في العالم، وتقدِّم خدماتها لإسرائيل في مجال حماية الحواجز العسكرية وخدمات مصلحة السجون. كما خسرت الشركة مجموعة من العقود في بريطانيا، والنرويج، والاتحاد الأوروبي وجنوب إفريقيا. علاوة على ذلك، انضمَّ إلى قائمة المقاطعين بعض صناديق التقاعد الضخمة وشركات وبنوك، مثل: صندوق التقاعد الهولندي (PGGM)، وصندوق التقاعد الحكومي النرويجي اللذين سحبا استثمارات من شركات إسرائيلية متورطة في دعم الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي.
كما بدأت أيضًا بعض الشركات الإسرائيلية تخسر بعض عقودها في مجموعة من دول العالم؛ نتيجة نشاط حركة المقاطعة كما حصل مع شركة “ميكوروت” الإسرائيلية للمياه التي خسرت عقدًا في الأرجنتين بقيمة تصل إلى 170 مليون دولار. وإضافة إلى ذلك، خسرت الشركة عقديْن في كلٍّ من هولندا والبرتغال.
– استراتيجية إسرائيل المضادة:
أدى الاهتمام المتزايد من قِبل وسائل الإعلام العالمية والمقاطعة الفعليّة من قبل بعض الشركات أو التجمعات الأكاديمية الكبيرة للنشاطات الإسرائيلية إلى اضطراب القيادة الإسرائيلية، التي باتت تتخوّف من فقدان مكانتها في العالم. فقد اعتبرت الحكومة الإسرائيلية في يونيو/حزيران 2013 حركة المقاطعة أنها باتت تشكِّل “تهديدًا استراتيجيًّا” للوجود الإسرائيلي. وظهر القلق الإسرائيلي من تنامي حركة المقاطعة على لسان العديد من المسؤولين الإسرائيليين؛ فقد صرَّح يائير لبيد، وزير المالية الإسرائيلية الأسبق، بأن “عدم الشعور بتأثير المقاطعة حاليًا سببه أنها عملية تدريجية، لكن الوضع الحالي خطير جدًّا؛ فنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا لم يتنبّه إلى بداية حملة المقاطعة التي تعرَّض لها”  وكانت وزارة المالية الإسرائيلية قد أصدرت تقريرًا نصَّ على “أن المقاطعة هي أكبر خطر على الاقتصاد الإسرائيلي”. ردّة فعل القادة الإسرائيليين الغاضبة أبرزت النجاحات المتتالية التي حققتها الحركة، وقدرتها على تغيير قواعد اللعبة.
ولمواجهة الحركة وناشطيها تبنَّتْ إسرائيل استراتيجيتين مترابطتين: قمع الحركة داخليًّا، وتحفيز الحلفاء خارجيًّا.
فقد سنَّ الكنيست الإسرائيلي عام 2011 ما يُعرف بـ”قانون المقاطعة”، والذي صادقت عليه المحكمة العليا الإسرائيلية في إبريل/نيسان 2015 ضدّ كل من يُطالب بمقاطعة إسرائيل. ويتيح القانون الملاحقة القانونية وطلب تعويضات من كل شخص يحمل الهوية الإسرائيلية ويدعو للمقاطعة بأيّ شكل كان، كما يمنح القانون وزير المالية الحق في فرض عقوبات اقتصادية كبيرة على المؤسسات الإسرائيلية التي تدعو للمقاطعة، بينما تتلقى تمويلًا من الحكومة الإسرائيلية وهيئاتها. إضافة إلى ذلك، قامت إسرائيل بشنّ حملة قمع مستمرة بحق الناشطين الفاعلين في الحملة، وتصعيد العمل الاستخباري في ملاحقتهم.
أما على الصعيد الخارجي، فإسرائيل تدرك جيدًا أن معركتها ليست ضمن نطاق الأراضي المحتلة، بل هي معركة تُخاض في الأساس على الساحة الدولية وفي وسائل الإعلام ومراكز التأثير؛ لذلك قامت إسرائيل بتجنيد وتحفيز ماكينتها الإعلامية الضخمة التي خصَّصت لها مبلغ 100 مليون شيكل، إلى جانب استنفار سفاراتها على مستوى العالم لمواجهة تنامي الحركة محليًّا ودوليًّا. كما سعت للاستعانة بحلفائها في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وذلك للتحرك قانونيًّا ضد الحملات الداعية للمقاطعة وتشريع قوانين تجرِّم المقاطعة؛ وذلك من أجل التأثير ومن ثَمَّ ثني المجموعات المختلفة عن المقاطعة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، اقترح النائبان في الكونغرس عن ولاية إلينوي، بيتر روسكام ودان ليبينسكي، في مارس/آذار الماضي مشروع قانون ينصّ على وقف جميع مصادر التمويل الفيدرالي للمؤسسات الأكاديمية المشاركة في المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، وذلك ردًّا على مقاطعة جمعية الدراسات الأميركية للمؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية. كما يتضمن أحد بنود المشروع مادة تحظر التمويل الحكومي لأي مؤسسة تعليمية أو جامعية تنشط فيها الحركات التي تنادي بالمقاطعة الأكاديمية لإسرائيل. إضافة إلى ذلك، يسعى حلفاء إسرائيل لإقرار قوانين تعتبر نشاطات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل معاداة للسامية تجب المعاقبة عليها، كما حصل في ولاية إلينوي في مارس/آذار الماضي، أو اعتبار مقاطعة المنتجات الإسرائيلية جريمة “كراهية”، كما قررت إحدى المحاكم الفرنسية.
إضافة إلى ذلك، يقوم حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية بحملات مستمرة للتأثير على الشركات والمؤسسات التي قرّرت مقاطعة إسرائيل ومواجهة الحملة دوليًّا. فعلى سبيل المثال، يسعى الملياردير الأميركي شيلدون أدلسون لوقف حملة المقاطعة في الولايات المتحدة من خلال التأثير على السلطة السياسية والمالية في واشنطن.
– الإنجازات الإسرائيلية:
أسفرت الجهود الإسرائيلية في مواجهة “بي دي إس” عن بعض النجاحات، وخاصة في إلغاء بعض الشركات لقرارات المقاطعة، كما حصل -على سبيل المثال- مع مجموعة من المحالّ التجارية في شمال السويد والتي تضم 655 فرعًا في كافة أنحاء البلاد، والتي ألغت قرارًا سابقًا لها بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية. وفي هذا السياق يمكن تسليط الضوء على النزاع الأخير بين الحكومة الإسرائيلية ومجموعة أورانج الفرنسية للاتصالات، والذي يظهر سعي إسرائيل لتجنيد كافة طاقاتها لمواجهة الحركة. فقد أعلن ستيفان ريتشارد رئيس مجلس إدارة مجموعة أورانج الفرنسية مطلع يونيو/حزيران 2015 في القاهرة عن استعداد شركته للانسحاب من السوق الإسرائيلية “صباح الغد” إذا سمحت بذلك العقود المبرمة ما بين الشركتين، معللًا ذلك برغبته في مراعاة مشاعر زبائن الشركة في العالم العربي. ولكن ريتشارد تراجع سريعًا عن تصريحاته التي أبدى خلالها استعداد شركته للتخلي عن علاقتها مع شريكتها الإسرائيلية أورانج بارتنر التي تسيطر على 28% من سوق الاتصالات اللاسلكية في إسرائيل، وذلك بعد ضغوطات شديدة سواء من الحكومة الإسرائيلية أو الفرنسية. وبالرغم من تأكيد الشركة الفرنسية فيما بعد على أنها باقية في السوق الإسرائيلية، وأنها ترفض حملات المقاطعة عليها إلا أنها سلّطت الضوء من جديد على فعالية المقاطعة كسلاحٍ مؤلم للقيادة الإسرائيلية.
وعلى صعيد المقاطعة الأكاديمية، نجحت إسرائيل حتى الآن في الضغط على بعض الطلاب الناشطين وجامعاتهم من خلال حلفائها، وهو ما أدَّى -على سبيل المثال- إلى حظر بعض المنظمات الطلابية الداعمة للحقوق الفلسطينية، كما حصل مع “طلاب من أجل العدالة في فلسطين (SJP)” في جامعة نورث إيسترن في بوسطن، أو إصدار أحكام قضائية ضد الطلاب الناشطين كما حصل في كاليفورنيا.
آفاق الصراع
ربما لن تدفع هذه الأحداث المتراكمة إسرائيل على الركوع أمام المطالب الفلسطينية الآن، ولكنها -بكل تأكيد- ستشكل مرتكزًا حيويًّا في مراكمة الإنجازات التي يمكن البناء عليها مستقبلًا، سواء في التأثير على القرارات الإسرائيلية الاستراتيجية أو في تقييد عمل الشركات الأجنبية (وخاصة الأوروبية) في مستوطنات الضفة الغربية. فتراكم إنجازات المقاطعة يمكن أن يُحدث اضطرابًا في السوق الإسرائيلية أو في تدفق الإستثمارات الموجهة إليها، وهو ما سيشكِّل خطوة أولى يمكن أن تؤدي مع الوقت إلى تصاعد المقاطعة ضد إسرائيل بكافة أشكالها، ويحدّ من قدرة الشركات الإسرائيلية والمستثمرين الأجانب على الاستخدام الفعّال والأمثل لموارد السوق. في مثل هذا الوضع، ستجد إسرائيل صعوبة في التخفيف من مخاوف المستثمرين، والتي من شأنها أن تؤدي إلى انخفاض قيمة الشركات المستهدَفة أو تدفع مزيدًا من الشركات إلى المقاطعة، خاصة تلك التي تتخوّف من الملاحقة القانونية في بلدانها إذا أقامت علاقات تجارية مع إسرائيل، لاسيما في أوروبا. فإذا توقعت الشركات أنها سوف تكون عُرْضة للمقاطعة، فإنها يمكن أن تُحجِم منذ البداية على الاستثمار أو الدخول في شراكات متوسطة أو طويلة الأمد في إسرائيل، وخاصة أن 17 دولة أوروبية نصحت شركاتها ومواطنيها بعدم التورط في مشاريع إسرائيلية بالأراضي المحتلة، كما أوضح عمر البرغوثي.
إضافة إلى ذلك، فإن نجاحات الحركة المتتالية سواء على الصعيد الاقتصادي أو الأكاديمي، أدت إلى زيادة في زخم التغطية الإخبارية لنشاطات الحركة وإنجازاتها، وهو ما يمكن اعتباره مؤشرًا كبيرًا على نجاح الحركة، وذلك أن التغطية الإعلامية المستمرة والمتزايدة يمكن أن تؤدي تدريجيًّا إلى:
  • زيادة اضطراب بعض الشركات الإسرائيلية وإمكانية اختلالها.
  • إبراز قدرة الحركة على فرض أجندتها على الساحة الدولية.
  • زيادة الوعي والتوسع في تعبئة المؤيدين للمقاطعة، وحشد أنصار جدد.
  • إعطاء زخم إضافي للحركة، وبالتالي تشجيع مزيد من الشركات على المقاطعة.
ولكن في الجهة المقابلة، فإنّ تراكم نضالات الحركة سيدفع إسرائيل وحلفاءها إلى زيادة وتيرة الهجوم عليها، خاصة إذا أصبحت المقاطعة مكلِّفة من الناحية الاقتصادية، وهو ما قد يؤدي إلى تبدُّد الحركة وتضاؤلها. يظهر ذلك وبوضوح الآن، حيث تحاول إسرائيل وحلفاؤها في الغرب تشويه الحركة ومهاجمتها واتهامها بمعاداة السامية؛ وذلك لفضّ الحلفاء من حولها.
 
من الواضح أن تنامي قوة حركة المقاطعة وفي مقدمتها حركة ال”بي دي إس” في العالم وخاصة في الغرب، قد شكَّل مصدر إزعاج رئيسي للقيادة الإسرائيلية التي بدأت تتخوّف من فقدان مكانتها في العالم. كما زادت من قلق القيادة الإسرائيلية التغطية الإعلامية المتزايدة التي بدأت تحظى بها الحركة من قِبل وسائل إعلامية مختلفة ومؤثِّرة مثل الـ بي بي سي، ونيويورك تايمز، والغارديان وغيرها، وهو ما أسهم في شرحٍ أوسع لأهداف الحركة واستراتيجياتها، وبالتالي زيادة الوعي بأهداف الحركة وإمكانية جذب أنصار جدد.
لم تستطع جميع الإجراءات الإسرائيلية حتى الآن وقف تمدُّد مقاطعة إسرائيل من قِبل بعض المؤسسات والشركات في أوروبا وأميركا ودول آسيا. ويمكن القول: إن توسُّع المقاطعة يعني أن الاحتلال أصبح أكثر كلفة لإسرائيل، وبالتالي يمكن أن يؤدي ذلك إلى تغيير قواعد اللعبة داخليًّا.
ولكن، بالرغم من النجاح المتصاعد للحركة على الصعيد الدولي إلا أن تأثيرها في الداخل الفلسطيني لا يزال هشًّا، وهو ما يشكِّل نقطة ضعف رئيسية في زيادة كلفة الاحتلال الإسرائيلي. فقد فشلت الحركة حتى الآن في التحوُّل إلى حركة شعبية في الأراضي المحتلة عام 1967، والتي تعتبر سوقًا رائجًا ومهمًّا للبضائع الإسرائيلية.
ومع أن النجاحات المؤخَّرة لإسرائيل في قمع بعض الناشطين أو إصدار بعض القوانين المحلية ضد مقاطعة إسرائيل قد تنجح في التشكيك بقدرة الحركة ومستقبلها؛ إلا أن من الواضح أن رسائل الحركة قد أقنعت عددًا كبيرًا من مجالس الطلبة، والجامعات، والنقابات العمالية، والفنانين، والمؤسسات الاقتصادية على مستوى العالم بجدوى المقاطعة.

المصدر: حملة مقاطعة الإحتلال-فلسطين