الأسرى ومحكمة الجنايات الدولية

إن أهم حق حصلت عليه فلسطين عقب الانضمام إلى نظام روما هو إمكانية إحالة الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة إلى مدعي عام المحكمة.  وقد أصدر الرئيس مرسوماً بتشكيل “اللجنة الوطنية العليا”؛ لمتابعة العلاقة مع المحكمة الجنائية الدولية؛ والمشكلة من شخصيات قانونية حكومية وأهلية.

ومن هنا يتوجب على دولة فلسطين متابعة الحقوق المكتسبة نتيجة إيداع الإعلان لدى مسجل محكمة الجنايات الدولية؛ والذي قبلت بموجبه اختصاص المحكمة على الجرائم التي تم ارتكابها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، منذ 13 حزيران 2014م، وعلى الانضمام إلى نظام روما الذي من المفترض أن يدخل حيز التنفيذ في 1 نيسان /2015م.

ومع أن اللجنة الوطنية العليا وضعت أولويات وطنية للتوجه إلى محكمة الجنايات بقضيتي الاستيطان والعدوان على قطاع غزة؛ فان قضية الأسرى الفلسطينيين والعرب القابعين في سجون الاحتلال تحتل أيضًا أهمية كبيرة وقصوى؛ ومن الضروري إدراجها ضمن الملفات التي يجب التوجه بها إلى المحكمة.

إن الأسباب التي تجعل من قضية الأسرى ذات أولوية أمام محكمة الجنايات الدولية:

1-  محاولات حكومة الاحتلال الإسرائيلي تجريد الأسرى من صفتهم القانونية والشرعية كـ”مقاتلي حرية” و”أسرى حركة تحرر وطني” ناضلوا بشكل مشروع، وفق كافة القوانين والشرائع والقرارات الدولية؛ والتعاطي معهم كمجرمين وإرهابيين، سواء في محاكمها العسكرية، أو من خلال ممارستها داخل السجون.

2- التشريعات العنصرية الخطيرة، التي دأبت حكومة إسرائيل على سنها في الكنيست الإسرائيلي، والتي تنتهك حقوق الأسرى، والمخالفة للقانون الدولي واتفاقيات جنيف.

3-  عدم التزام إسرائيل واعترافها بانطباق اتفاقيات جنيف على المعتقلين، سواء العسكريين (بموجب الاتفاقية الثالثة)؛ أو المدنيين (بموجب الاتفاقية الرابعة).

4-  سياسة القضاء العسكري في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، وإصدار أحكام تفرض على الأسرى دفع تعويضات لصالح الجنود والمستوطنين؛ وتضع مقاومة الشعب الفلسطيني في إطار الجريمة؛ ما يعني محاكمة سياسية على كل من يفكر بالنضال ضد الاحتلال؛ وبالتالي رفع الغطاء عن النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال.

5-  المخالفات الجسيمة المتصاعدة التي تنتهك حقوق الأسرى، وكرامتهم الإنسانية؛ والتي تنتهك والأعراف والمواثيق الدولية، كالتعذيب، واعتقال الأطفال، والاعتقال الإداري، والاعتداء على الأسرى في السجون، والحرمان من الزيارات، والعزل الانفرادي، والإهمال الطبي، وغيرها…

6-  عدم احتواء التشريعات الإسرائيلية على أية قوانين تدين ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية؛ وهذا ما نلاحظه من خلال رد أغلب الشكاوي المرفوعة إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية حول ممارسات التعذيب أو القتل أو الانتهاكات التي ترتكب بحق الأسرى.

وقد ارتقى في سجون الاحتلال 207 شهداء، سواء بالتعذيب، أو القتل المباشر المتعمد، أو الإهمال الطبي؛ ولم يقدم أي مسؤول إسرائيلي للمحاكمة أو المسائلة؛ كون التشريعات الإسرائيلية تعطي حصانة للمحققين والمسؤولين الإسرائيليين!

واستخدمت إسرائيل الأسرى دروعاً بشرية، واعتقلت قاصرين بشكل يخالف اتفاقية حقوق الطفل الدولية، وطبقت الاعتقال الإداري بشكل روتيني ومستمر، واستخدمت القوة والأسلحة المحرمة في قمع الأسرى داخل السجون؛ إضافة إلى حرمان الأسرى من حقوقهم الأساسية، كالحق في الزيارة، ولقاء المحامي، والتعليم؛ إضافة إلى نقل الأسرى إلى سجون داخل إسرائيل (الدولة المحتلة)؛ بما يخالف اتفاقية جنيف الرابعة.

إن التوجه بقضية الأسرى إلى محكمة الجنايات الدولية يعني التحرر من استمرار الخضوع لمنظومة القوانين والأوامر العسكرية الإسرائيلية الظالمة التي تعمل بموجبها محاكم الاحتلال؛ كما يعد إنصافًا لحق الضحايا الذين سقطوا واعتدي عليهم بشكل تعسفي خلال مرحلة الأسر؛ ويؤدي إلى ردع دولة الاحتلال ومسؤوليها ومحققيها عن استمرار التعامل مع الأسرى وكأنهم ليسوا من بني البشر؛ إذ  يصبحون في مرمى المسائلة الدولية عن أفعالهم وممارساتهم بحق الأسرى، لا سيما أن عدد الأسرى في تزايد مستمر، وأن إجراءات القمع الإسرائيلية أيضًا في تصاعد مستمر، في ظل موجة يمينية متطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية، تضع الأسرى هدفاً سياسياً للانتقام منهم.

وبناء عليه فإنه من الأهمية بمكان وضع خطة وطنية لإدارة قضية الأسرى، وتوثيق المؤسسات المعنية المختلفة المعلومات بدقة؛ للاستعداد لرفع قضايا تتناول جرائم الحرب أو المخالفات الجسيمة إلى محكمة الجنايات الدولية؛ والانتقال من مرحلة العاطفة والشعار، إلى مرحلة المواجهة القانونية الملموسة والجدية؛ لحماية الأسرى وحقوقهم، وعدم إبقاء المجرمين الإسرائيليين طلقاء، وحتى لا تظل دولة إسرائيل دولة فوق القانون، تستبيح حقوق الأسرى وتستهتر بالثقافة والعدالة الإنسانية .

عيسى قراقع / رئيس هيئة شؤون الأسرى

نشر بتاريخ: 31 آذار/مارس 2015